أبو الليث السمرقندي
466
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ويقال : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخل المسجد وجلس عنده جماعة من المشركين ، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من اللّه شيء ينفرون منه ، فابتلاه اللّه تعالى بما ألقى الشيطان في أمنيته ، وقال بعضهم : تمنى : أي تفكر وحدّث بنفسه تلك الغرانيق العلى ، ولم يتكلم به ، لأن قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان حجة ، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر . وقال بعضهم : لما رآه الشيطان يقرأ ، خلط صوته بصوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فقرأ الشيطان : تلك الغرانيق ، فظن الناس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكن قرأها . وقال بعضهم : قال ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على وجه التعيير والزجر ، يعني : أنكم تعبدونها كأنهن الغرانيق العلى ، كما قال إبراهيم عليه السلام فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [ الأنبياء : 63 ] وقال الزجاج : ألقى الشيطان في تلاوته ، فذلك محنة يمتحن اللّه تعالى بها من يشاء ، فجرى على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيء من صفة الأصنام ، فافتتن بذلك أهل الشقاوة والنفاق . وروي عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار : أن ابن عباس كان يقرأ ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث ) والمحدّث : الذي يرى أمره في منامه ، من غير أن يأتيه الوحي . ثم قال : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما ألقى الشيطان حَكِيمٌ حكم بالناسخ . وبيّن قوله عز وجل : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً ، يعني : بليّة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، أي شك ، وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ؛ يعني : الذين قست قلوبهم عن ذكر اللّه ، وهم المشركون . وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ، عن الحق . يعني : المشركين في خلاف طويل عن الحق . ثم ذكر المؤمنين فقال : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ، يعني : الذين أكرموا بالتوحيد والقرآن . ويقال : هم مؤمنوا أهل الكتاب . أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، يعني : القرآن . فَيُؤْمِنُوا بِهِ ، أي فيصدّقوا به . ويقال : لكي يعلموا أن ما أحكم اللّه في آياته حق ، وأن ما ألقى الشيطان باطل ، ويزداد لهم يقين وبيان ، فذلك قوله : فَيُؤْمِنُوا بِهِ ، أي يثبتوا به على إيمانهم . فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ، يعني : فتخلص له قلوبهم . وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، يعني : إن اللّه عز وجل لحافظ قلوب المؤمنين في هذه المحنة ، حتى لم ينزع المعرفة من قلوبهم عند إلقاء الشيطان . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 55 إلى 56 ] وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) ثمّ قال عز وجل : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، أي : في شك منه ، يعني : من القرآن . حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ، يعني : فجأة ، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ لا فرح فيه ولا راحة ولا رحمة ولا رأفة ، وهو عذاب يوم القيامة . وقال السدي وقتادة : يَوْمٍ عَقِيمٍ ؛ يوم بدر ، ويقال : إنما سمي يَوْمٍ عَقِيمٍ لأنه أعقم كثيرا من النساء ؛ وقال عمرو بن قيس : يَوْمٍ